4shared
الرئيسية / مقالات متنوعة / د. نوال العيد / (( لحومكم أيضاً مسمومة ))

(( لحومكم أيضاً مسمومة ))

نتقد البعض جملة أوردها ابن عساكر – رحمه الله – قال فيها: «لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)، ويرفضها؛ بحجة فهم غير مقبول، اقنع نفسه به، وهو أن هذه الجملة تعني أن لحوم غيرهم مباحة.

 

وهذا ما لم يقل به طالب علم فضلاً عن عالم، فلحوم جميع الخلق محرمة، وقد نهى الله عن الغيبة، وشبه المغتاب بأقبح وصف وأبشعه (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ) و(الغيبة ذكرك أخاك بما يكره)، كما نص على ذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ومع النصوص الواردة في تحريمها، إلا أن غيبة العلماء أشد حرمةً، وأعظم جرماً، لما أخرج البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ»)، وفي رواية: (فقد استحل محاربتي) يقول الحافظ في معنى الولي: «المراد بولي الله العالم بالله، المواظب على طاعته المخلص في عبادته».

 

ولم يرد هذا الوعيد في حق غيرهم من عوام المسلمين، ذلك أن الله جعلهم شهوداً على وحدانيته (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) وأحال عليهم لمعرفة دينه (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) وأظهر فضل علمهم بقوله: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، وغير ذلك من الشواهد التي أُفردت مصنفات في ذكرها.

 

ولا يتطاول في أعراضهم مع ما تقدم من عظيم فضلهم، ويتلذذ بالسخرية بهم إلا أحد ثلاثة: إما منافق يكره الدين وأهله ويكيد له، أو فاسق صاحب شهوة يخاف من أن يحرم شهوته، أو صفوي حاقد يعظم ملاليه ويدفع إليهم الخمس، وملاليه يتقربون بسب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يحفظون ألسنتهم من الولوغ في عرض رسول الله – صلى الله عليه وسلم -والطعن في زوجته، ويلعنون الأصحاب صباح مساء عقيدة وديانة، فيتفرغ هذا الصفوي للوقيعة في علماء أهل السنة ولا عتب عليه، لأن من يطعن في زوجات رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وصحابته لن يتورع من الطعن في علماء السنة الذين يدعون إلى توقير آل البيت والصحابة جميعاً، لكن العتب على المطبلين لهم من رعاع أهل السنة، كيف يكونون ببغاوات لأمثل هؤلاء أصحاب الأجندة الخفية، والخلايا النشطة للمشروع الصفوي.

 

بل قد جاوز السيل الزبى حين تجرأ بعض النكرات الذين يرفضهم المجتمع، وتفرضهم بعض وسائل الإعلام إلى التشكيك في العلماء، وإبرازهم على أنهم علماء حيض ونفاس، ولا أدري ما هذا التحقير والتقليل من شأن النساء؟ وكيف سيتعاملون مع القرآن الذي أجاب عن فتوى الحيض: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ)؟، وماذا سيسمون رسول الله – صلى الله عليه وسلم -الذي أجاب عن عشرات أسئلة النساء في مثل هذه الأحوال، وأبواب الحيض والنفاس في الصحيحين شواهد على ذلك، وليتهم تعلموا قبل النقد كيف يكون الإنسان قريباً من المجتمع، وينزل للشارع فيجيب عن أسئلة الناس، ويسهم في حل مشكلاتهم.

 

ليس فيما تقدم أن العلماء معصومون، بل عقيدة أهل السنة والجماعة أن العلماء بشر غير معصومين يقع منهم الخطأ والنسيان، «وكفى المرء نبلاً أن تعد معايبه»، ويرون أن نصيحتهم من الدين الذي ذكره رسول الله في حديث «الدين النصيحة»، لكنها نصيحة المحب الصادق المصلح الذي يناقش الفكرة ولا يهاجم الشخص، الذي يصوب الخطأ ولا يحاول إسقاط المخطئ.

 

إن التقليل من شأن العلماء جريمة، والمقلل من شأنهم إما حاقد أو مثير للفتنة، ذلك أن هذه البلاد التي قامت على التوحيد وجعلت دستورها الكتاب والسنة، وأوكلت مهمة العلم لأهله العلماء، تحتاج إلى هذه الأصوات الصادقة المخلصة فيما يعتري البلد من المخاطر؛ فإذا أسقطت هيبتهم، وشكك فيهم، لن يسمع البعض لهم عنــد وقــوع الفتنة، وهذا ما يريده كل منافق وفاسق ومخالف؛ بل ويــسعى له، وقــد نسي المحارب للعلماء، أنه قد بارز الله بالمحــاربة، وأن نتيجة حملته البوار، والله تعالى يــقول: (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ).

 

عن mas

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*